هكذا يجب أن ننظر إلى الكتابة الساخرة، التي لا يزال مفهومها الحقيقي إلى يومنا هذا، يعاني من إشكالية في الفهم، والتعريف، والتوصيف، رغم أنها قديمة قدم الكتابة وفنونها وطرائقها.. ولم يخل عصر من التاريخ منها.
ويلجأ الكتاّب إلى السخرية، لحاجتهم إلى أسلوب التورية والتلميح الذي يفتح مجالاً واسعاً للخوض في الممنوع، وتجاوز الخطوط الحمراء التي يصعب تجاوزها في الكتابة الجدية المباشرة.
وفي هذا الحوار الحي مع إحدى الكاتبات المتخصصات في الإعلام الساخر، سنناقش المحاور التالية:
1- أزمة الكتابة الساخرة في العالم العربي.
2- النظرة الخاطئة للكتابة الساخرة.
3- ماذا يراد من الكاتب الساخر.
4- الأسلوب الساخر في الخطاب الإسلامي
يقدم الموقع حوار حي ومباشر مع الكاتبة الصحفية / سلام نجم الدين الشرابي
طالبة الفائدة
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم بالفعل هذا ما نحتاج إليه أحتاج إلى التعرف على هذا النوع من الكتابة لكن أقترح أن يكون التعريف بالكتابة الساخرة وما هي .. في بداية اللقاء وجزاكم الله خيرا
الجـواب :
خلال بحثي الطويل عن المصطلح الحقيقي للكتابة الساخرة وجدت أني أمام دوامة كبيرة.. وتفرعات كثيرة…يتعلق الأمر بجوانب عدة منها مسألة انتماء الكتابة الساخرة إلى الصحافة أو الأدب، فلازال الكثيرون يطلقون على الكتابة الساخرة وإن كانت مصاغة في إحدى الأنواع الصحفية على أنها أدب ساخر. في حين أنها وإن كانت قد كتبت بطريقة أدبية إلا أنها أقرب انتماء إلى الصحافة منها إلى الأدب ذلك لأن خصائصها وأهدافها تضعها في مصاف الإعلام . وقد بحثت مطولاً عن مصطلح الصحافة الساخرة أو الإعلام الساخر ولم أجده حتى في كتب المصطلحات الإعلامية، ولا أعرف سبب غياب هذا المصطلح من الناحية الأكاديمية، قد نجد تكراره لدى العامة لكنه لم يؤطر كعلم!. الإشكالية الأخرى تتمحور في اختيار المصطلح المناسب للكتابة الساخرة، حيث أننا إن أردنا الحديث عن الأسلوب الساخر في العصر الجاهلي استخدمنا لفظة"هجاء" ولكن ماذا لو أردنا الحديث عن الكتابة الساخرة في الأدب أو الصحافة فما هو المسمى أو المصطلح المناسب؟.. هل هي ساخرة، هزلية، ضاحكة، فكاهية ، ترفيهية؟…. إن المراجع والكتب الموجودة عن الكتابة الساخرة وهي جميعها لأساتذة كبار كل منهم استخدم مصطلح مختلف عن الآخر؛ فمنهم من أسماها بالهزلية، ومنهم من أسماها بالساخرة، ومنهم من أسماها بالفكاهية… والإشكالية الأكبر أن من أسماها بالهزلية رفض انتماءها كتابة فكرية لها هدف ورسالة إلى الفكاهة والعكس صحيح.. ويبدو أن أزمة المصطلح التي أقف عليها اليوم ، وقف عندها الغربيون أيضاً وحاروا فيها، ولا اعرف تحديداً لماذا يثير هذا النوع من الكتابة إشكالية في تحديد المصطلح المناسب وتعريفه عالمياً وعربياً؟!!… ففي عام 1771 نشرت الطبعة الأولى من(المعجم) دائرة المعارف البريطانية والذي وفق مؤلفه إلى نشر معجم بأكمله تتنوع المصطلحات والكلمات فيه إلا أنه يئس من يعطي لكلمة السخرية تعريفاً مرضياً، فأحال القارئ إلى اثنين من المرادفات التقريبية، وكل مرادف منهما ينتمي إلى أصل مختلف كل الاختلاف في علم الدلالة والآن ونحن في القرن العشرين لازال اللبس ذاته موجداً وذلك عالمياً وليس عربياً، إذ يقول روبير اسكاربيت مؤلف كتاب " الفكاهة" كان من المفترض أن يوضح المعجم الأحدث العلاقة بين الهزل والضحك والسخرية ألخ… ولكننا في القرن العشرين، لم نتقدم كثيراً عن القرن الثامن عشر.. إننا نستطيع أن نعرف الفكاهة بل نستطيع أن نعرفها مرتين بدلاً من مرة واحدة وهذا معناه القول أننا لا نستطيع أن نقدم تعريفاً لها، ومهما فعلنا نحصل باستمرار على نموذجين من التعريفات التي يتناقض حتماً كل واحد منهما مع الأخر…… علينا إذن أن نكتفي بتعريفين، حيث إننا لا نستطيع أن نقدم تعريفاً واحداً!. الإشكالية التي نعاني منها في تعريفنا للسخرية أننا نحتاج لنعطيها حقها في التعريف أن نتناولها من جهات عدة منها فلسفية ومنها لغوية ومنها نفسية إذ أننا تتعلق بكل ما ذكرنا وكل ما نستطيع قوله بأن مصطلح السخرية هو أقرب من غيره إلى الصحة وأن الكتابة الساخرة: هي عمل جاد للغاية تعالج قضايا مهمة وتحث على اتخاذ مواقف إزاء كثير من الأمور ولكن بطريقة ساخرة، تحاكي قضايانا الاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها، فتعري الواقع المعاش بطريقتها الخاصة التي تجعلنا نضحك منها وبالوقت ذاته نبكي حالاً وصلنا إليه.. هي التمرد على سلبيات المجتمع وآفاته ..هي إبداع في البلاغة والإيجاز، ثورة فكرية ولغوية تعكس صورة الواقع بجماله وقبحه.. ولكن بأسلوب مميز جداً…
——————————————————————————-
أ. خالد عبد اللطيف كاتب وصحفي
هل رصد المحللون للكتابة الساخرة تاريخا من التأثير الحقيقي.. أم أنها مسكنات تخدر أوجاعنا.. وتزيد صداعنا؟
الجـواب :
نعم رصد المحللون.. ولكن ماذا رصدوا.. رصدوا تواريخ إقفال الصحف الساخرة.. ومقص الرقابة الذي كان قريباً من كلماتهم والمعاناة التي تعرض لها الكتاب الساخرون والسجون التي فتحت أبوابها استقبالاً لهم.. وفي ذلك الرصد ما يخبرك بالتأثير الحقيقي للكتابة الساخرة، وفي ذلك ما يخبرك لماذا لا نرى لها ذات الوجود الآن.
——————————————————————————–
لحن الجنوب
نريد أن نعرف الفرق بين الكتابة الساخرة والهزلية التي نراها كثيراً في الصحف والمواقع؟
الجـواب :
الفرق بين الكتابة الهزلية والساخرة برأيي كالفرق بين الغريق الذي يمسك بقشة لعلها تنقذه مما هو فيه، ومن يتمسك بسلم لسفينة ضخمة في عباب البحر.. إلا أنه وللأسف ورغم التاريخ الطويل للكتابة الساخرة، إلا أن كثيراُ من الناس يخلطون بين الكتابة الساخرة التي هي أحد فنون الكتابة، وبين النكتة التي تثير في النفس الضحك، بل ويتم في أحيان كثيرة تصنيف المقالات الساخرة تحت باب"تسلية أو "تسالي ومرح"!.. يتجلى الفارق بين الكتابة الساخرة والنكتة من خلال معرفتنا لمعنى الكتابة الساخرة التي لا تكتب بهدف إضحاك الناس، وليست هي أيضاً هدفاً، بقدر ما هي تعبير عن آلام الناس وآمالهم، عن أحداث نابعة من قلب المجتمع الذي نعيش به، وطريقة تعاطينا وتفاعلنا معها، سواء كانت هذه الأحداث سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.. أحداث تتناولها الكتابة الساخرة تحللها، تنقد سلبياتها وتعريها في سبيل إحداث التغيير فيها. وفي ذلك مقولة للكاتب السوري نجم الدين السمان:" إذا كانت السخرية لمجرد إضحاك القارئ، فهناك النكتة الشفوية التي يقوم بها الفعل الإنساني على أكمل وجه، فالسخرية الشفوية وليدة حاجة البشر إليها، وليدة ساعتها، وقد تنقضي بعد انقضاء ضحكاتها، أما الكتابة الساخرة فهي موقف من العالم، التقاط لأبرز مفارقاته، هجاء لنقائضه، يدمي الروح في اللحظة ذاتها التي يضحك فيها". وإذا عدنا إلى ما استنتجه الباحثون خلال استعراضهم لأطوار الظاهرة وتدرجها مع الحضارة البشرية، وجدنا أنهم يرون أن السخرية والضحك كانت لدى البدائيين ساذجة لا تكاد تتعدى المظهر والشكل، فالبدائي يسخر ويضحك من مجرد العيوب الجسمية والعاهات الموروثة، ولا يكاد يتعدى ذلك، وهو وضع طبيعي بحكم تفكير البدائي وانحصار مداركه في الشكل الظاهري، دون مقدرة على التعمق في المعاني والمدركات العقلية أو الأوضاع الاجتماعية، أما في أطوار الحضارة التي تدرجت فيها البشرية بعد مرحلة البداوة، فإن الإنسان أصبح يستطيع أن يجعل لسخريته وضحكه هدفاً مقصوداً أعمق وأسمى من سذاجة البدائي، يقول الباحثون "ضحك البدائيين هو في صميمه أشبه ما يكون بضحك الأطفال.. ساذج تغلب علي
المزيد