أدخلتني إلى غرفة مظلمة..
كتبهاسلام نجم الدين الشرابي ، في 21 كانون الأول 2007 الساعة: 21:59 م
كنت أعلم من الليلة الأولى التي قررت فيها المبيت عندنا أنها ستطلب مني الجلوس إلى جانبها، رفعت نظارتها وحدقت في وجهي، كان يبدو أن لديها الكثير من الكلام تود أن تخبرني به.
جلست لأستمع إلى ما تريد قوله، وكنت على يقين أن الحديث سيمضي بنا إلى كم من النصائح والمواعظ.
قررت أن أبحث عما يمكن أن أشغل به وقتي حتى تنتهي من حديثها، ففكرت بتأمل التجاعيد التي رسمتها السنون على وجهها..
بدأت بتأمل تلك الخطوط.. بدت كلوحة مأساوية نوعاً ما، تخفي وراءها الكثير من الحكايات والقصص، أمسكت يدي وكأنها علمت بمخططاتي وقالت: حفيدتي العزيزة ما أريد قوله لك لن تفهميه إلا إذا اتبعتني في مسيري.
قمت خلفها وقد شدني الفضول إلى ما تريد قوله لي..

فتحت باب أحد الغرف وأضاءت جميع الأنوار ثم التفتت إليّ وقالت: أدخلي وتجولي في أرجاء الغرفة ففعلت، ثم أطفأت جميع الأنوار، وطلبت مني متابعة التجول في الغرفة، استأذنتها أن في الأمر صعوبة لكنها أصرت، فمشيت الهوينى، وعلى الرغم من ذلك تعثرت.
أنارت لي بعضاً من الأنوار فتابعت المسير بسرعة نحوها خوفاً من أن تعاود إطفاء النور، نظرت إليها مستغربة فابتسمت وقالت: هذه أيامنا، يوم ننيره بفعل الحسنات فنقوم الليل ونصوم النهار، ونقرأ القرآن ونذكر الله، ويوم نظلمه بالسهر على التلفاز وهجر القرآن ونسيان فضل الذكر ويوم…
قاطعتها قائلة: لا بأس على الأقل استطعت تلمس خطاي… عفواً ربما ليس هذا ما أردت قوله.
فابتسمت وقالت بل هذا ما قصدته، وهذا ما نفتقده، يوم نضيئه ولو ببصيص نور، قد نعتقد أن هذا البصيص لا يقدم ولا يؤخر، لكنه في الحقيقة يحمل لنا الخير الوفير ولكن يجهل الكثير منا، فيمضي أغلب أيامه في تلك الظلمة وقليل ما ينيرها بتلك القوة إلا في أيام رمضان والحج.
و ننسى أن ديننا دين يسر وأن القليل المستمر أحب إلى الله سبحانه وتعالى من الكثير المنقطع، وأستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل أي العمل أحب إلى الله قال أدومه وإن قل.
ألم تلاحظي أن ما فرض علينا من الزكاة(0.25%) أي القليل مما لدينا من المال قال الله تعالى:} مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَّشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {
وما فرض علينا من الصيام شهر واحد من اثني عشر شهراً، وصلاة الفجر التي تجعلنا نترك فراشنا الدافئ لنصليها ولها من الأجر الكثير هي ركعتين فقط، وأن حرفاً واحداً من القرآن يعادل عشر حسنات.
فلماذا نختار لأيامنا إما الإضاءة الباهرة أو العتمة القاتمة؟…
لم لا ننيرها ولو بقليل من الحسنات.. لم نعتقد أنه يجب علينا حين نمسك بكتاب الله عز وجل أن نقرأ جزءاً كاملاً فيوسوس لنا الشيطان بأن لا وقت لدينا لإتمام ذلك.. فنعكف عن القراءة!..
والحقيقة أنه يمكننا إن كان لدينا العديد من الالتزامات أن نقرأ ما يتيسر لنا من الآيات.. ولو آية واحدة ، تعالي واجلسي إلى جانبي لنحسب سوياً كم من الحسنات ستجنين إذا ما قرأت هذه الآية مثلاً}وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ { البقرة 143.
تحوي هذه الآية (196) حرفاً والحرف بعشر حسنات أي ) 196*10= 1960 حسنة) أي أنك بقراءتها الآن كسبت( 1960) حسنة في آية واحدة ، فلم نحرم أنفسنا من هذا الخير؟!!.
قد يدفعنا شعورنا بظلمة الأيام وضعفنا إلى الرغبة في الجلوس بين يدي الله فنمضي ليلة نقوم فيها حتى الفجر، وتأتي ليال تأخذنا الدنيا بإغراءاتها فننسى القيام وننسى القرآن..
ولكن أنظري إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:] من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين[.
وقد تقودنا الصدفة إلى مجلس فيه دعاة فيذكروننا بأهمية الذكر وان من يقول" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير" في يوم مائة مرة كان له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكان له حرزاً من الشيطان يومه ذلك، فنعود يومنا هذا ونحن نرددها، ويأتي الغد يضيع عدها منا فنتركها، ولكن ألا نعلم بأن فضل ذكرها لو عشر مرات كبير، إذ أن من يذكرها عشرة كتبت له عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرز من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله. كما أخبرنا الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حفيدتي الصغيرة لم تكن تلك دعوة إلى التواكل والتقليل من القيام بما يزيد من حسناتنا ، إنما التأكيد على أهمية الاستمرار في جني هذه الحسنات ففي الزيادة خير، والخير الكثير، لكن طبيعة الإنسان إذا ما كثرت عليه الأمور تثاقل عنها فتركها كلها… إلا أن تأتيه الصحوة، فتغدو أيامه… كالذي رأيته في تلك الغرفة..
مضت بعكازها بعيداً، دخلت الغرفة ممسكة كتاب الله وأغلقت خلفها الباب، تركتني وحيدة أفكر بما قالته، أخذتني كلماتها بعيداً عن التحديق في تجاعيد وجهها، ووضعتني أمام سؤال حائر.. تائه.. أي من تلك الأيام أعيش؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قف.. لحظة | السمات:قف.. لحظة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 23rd, 2008 at 23 يوليو 2008 7:36 م
سبحان الله الذي قادني إلى هنا …
أول مرة أصادف فيها صفحتك هذه، وأول ما قررت قرائته هو هذه القصة …
احتجتها كثيراً وبدرجة كبيرة لا يعلمها إلا الله
رمضان كريم مقدّماً، عسانا نبلغه جميعاً