الكتابة الساخرة من فصيلة الشوكيات.. قد يأتيك شوكها يتطاير كالصبّار؛صبره يفرز أشواكاً.. ومنها ما يحددك هدفاً "كزّبانة "الدبور يطير وراءك ليلسعك.

ومنها ما يخدرك لينال منك كقرصة البعوضة تثير فيك الحكة..

وكثيرها كالوردة جميلة اللون طيبة الرائحة تغريك بأن تمسكها فتجرحك دون دراية منك أشواكها.

                                                                             سلام نجم الدين الشرابي

دليلك للكتابة الساخرة 1.. إن كنتم من هواة الكتابة الساخرة. تفضلوا واقرؤوا

كتبهاسلام نجم الدين الشرابي ، في 20 كانون الأول 2008 الساعة: 07:42 ص

هكذا يجب أن ننظر إلى الكتابة الساخرة، التي لا يزال مفهومها الحقيقي إلى يومنا هذا، يعاني من إشكالية في الفهم، والتعريف، والتوصيف، رغم أنها قديمة قدم الكتابة وفنونها وطرائقها.. ولم يخل عصر من التاريخ منها.

ويلجأ الكتاّب إلى السخرية، لحاجتهم إلى أسلوب التورية والتلميح الذي يفتح مجالاً واسعاً للخوض في الممنوع، وتجاوز الخطوط الحمراء التي يصعب تجاوزها في الكتابة الجدية المباشرة.

وفي هذا الحوار الحي مع إحدى الكاتبات المتخصصات في الإعلام الساخر، سنناقش المحاور التالية:

1- أزمة الكتابة الساخرة في العالم العربي.

2- النظرة الخاطئة للكتابة الساخرة.

3- ماذا يراد من الكاتب الساخر.

4- الأسلوب الساخر في الخطاب الإسلامي

يقدم الموقع حوار حي ومباشر مع الكاتبة الصحفية / سلام نجم الدين الشرابي

طالبة الفائدة     
 

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم بالفعل هذا ما نحتاج إليه أحتاج إلى التعرف على هذا النوع من الكتابة لكن أقترح أن يكون التعريف بالكتابة الساخرة وما هي .. في بداية اللقاء وجزاكم الله خيرا
 
 
الجـواب : 
خلال بحثي الطويل عن المصطلح الحقيقي للكتابة الساخرة وجدت أني أمام دوامة كبيرة.. وتفرعات كثيرة…يتعلق الأمر بجوانب عدة منها مسألة انتماء الكتابة الساخرة إلى الصحافة أو الأدب، فلازال الكثيرون يطلقون على الكتابة الساخرة وإن كانت مصاغة في إحدى الأنواع الصحفية على أنها أدب ساخر. في حين أنها وإن كانت قد كتبت بطريقة أدبية إلا أنها أقرب انتماء إلى الصحافة منها إلى الأدب ذلك لأن خصائصها وأهدافها تضعها في مصاف الإعلام . وقد بحثت مطولاً عن مصطلح الصحافة الساخرة أو الإعلام الساخر ولم أجده حتى في كتب المصطلحات الإعلامية، ولا أعرف سبب غياب هذا المصطلح من الناحية الأكاديمية، قد نجد تكراره لدى العامة لكنه لم يؤطر كعلم!. الإشكالية الأخرى تتمحور في اختيار المصطلح المناسب للكتابة الساخرة، حيث أننا إن أردنا الحديث عن الأسلوب الساخر في العصر الجاهلي استخدمنا لفظة"هجاء" ولكن ماذا لو أردنا الحديث عن الكتابة الساخرة في الأدب أو الصحافة فما هو المسمى أو المصطلح المناسب؟.. هل هي ساخرة، هزلية، ضاحكة، فكاهية ، ترفيهية؟…. إن المراجع والكتب الموجودة عن الكتابة الساخرة وهي جميعها لأساتذة كبار كل منهم استخدم مصطلح مختلف عن الآخر؛ فمنهم من أسماها بالهزلية، ومنهم من أسماها بالساخرة، ومنهم من أسماها بالفكاهية… والإشكالية الأكبر أن من أسماها بالهزلية رفض انتماءها كتابة فكرية لها هدف ورسالة إلى الفكاهة والعكس صحيح.. ويبدو أن أزمة المصطلح التي أقف عليها اليوم ، وقف عندها الغربيون أيضاً وحاروا فيها، ولا اعرف تحديداً لماذا يثير هذا النوع من الكتابة إشكالية في تحديد المصطلح المناسب وتعريفه عالمياً وعربياً؟!!… ففي عام 1771 نشرت الطبعة الأولى من(المعجم) دائرة المعارف البريطانية والذي وفق مؤلفه إلى نشر معجم بأكمله تتنوع المصطلحات والكلمات فيه إلا أنه يئس من يعطي لكلمة السخرية تعريفاً مرضياً، فأحال القارئ إلى اثنين من المرادفات التقريبية، وكل مرادف منهما ينتمي إلى أصل مختلف كل الاختلاف في علم الدلالة والآن ونحن في القرن العشرين لازال اللبس ذاته موجداً وذلك عالمياً وليس عربياً، إذ يقول روبير اسكاربيت مؤلف كتاب " الفكاهة" كان من المفترض أن يوضح المعجم الأحدث العلاقة بين الهزل والضحك والسخرية ألخ… ولكننا في القرن العشرين، لم نتقدم كثيراً عن القرن الثامن عشر.. إننا نستطيع أن نعرف الفكاهة بل نستطيع أن نعرفها مرتين بدلاً من مرة واحدة وهذا معناه القول أننا لا نستطيع أن نقدم تعريفاً لها، ومهما فعلنا نحصل باستمرار على نموذجين من التعريفات التي يتناقض حتماً كل واحد منهما مع الأخر…… علينا إذن أن نكتفي بتعريفين، حيث إننا لا نستطيع أن نقدم تعريفاً واحداً!. الإشكالية التي نعاني منها في تعريفنا للسخرية أننا نحتاج لنعطيها حقها في التعريف أن نتناولها من جهات عدة منها فلسفية ومنها لغوية ومنها نفسية إذ أننا تتعلق بكل ما ذكرنا وكل ما نستطيع قوله بأن مصطلح السخرية هو أقرب من غيره إلى الصحة وأن الكتابة الساخرة: هي عمل جاد للغاية تعالج قضايا مهمة وتحث على اتخاذ مواقف إزاء كثير من الأمور ولكن بطريقة ساخرة، تحاكي قضايانا الاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها، فتعري الواقع المعاش بطريقتها الخاصة التي تجعلنا نضحك منها وبالوقت ذاته نبكي حالاً وصلنا إليه.. هي التمرد على سلبيات المجتمع وآفاته ..هي إبداع في البلاغة والإيجاز، ثورة فكرية ولغوية تعكس صورة الواقع بجماله وقبحه.. ولكن بأسلوب مميز جداً…  
 ——————————————————————————-

      أ. خالد عبد اللطيف  كاتب وصحفي    

هل رصد المحللون للكتابة الساخرة تاريخا من التأثير الحقيقي.. أم أنها مسكنات تخدر أوجاعنا.. وتزيد صداعنا؟ 
  
الجـواب : 
نعم رصد المحللون.. ولكن ماذا رصدوا.. رصدوا تواريخ إقفال الصحف الساخرة.. ومقص الرقابة الذي كان قريباً من كلماتهم والمعاناة التي تعرض لها الكتاب الساخرون والسجون التي فتحت أبوابها استقبالاً لهم.. وفي ذلك الرصد ما يخبرك بالتأثير الحقيقي للكتابة الساخرة، وفي ذلك ما يخبرك لماذا لا نرى لها ذات الوجود الآن.  

——————————————————————————–

      لحن الجنوب      

نريد أن نعرف الفرق بين الكتابة الساخرة والهزلية التي نراها كثيراً في الصحف والمواقع؟ 
 
الجـواب : 
الفرق بين الكتابة الهزلية والساخرة برأيي كالفرق بين الغريق الذي يمسك بقشة لعلها تنقذه مما هو فيه، ومن يتمسك بسلم لسفينة ضخمة في عباب البحر.. إلا أنه وللأسف ورغم التاريخ الطويل للكتابة الساخرة، إلا أن كثيراُ من الناس يخلطون بين الكتابة الساخرة التي هي أحد فنون الكتابة، وبين النكتة التي تثير في النفس الضحك، بل ويتم في أحيان كثيرة تصنيف المقالات الساخرة تحت باب"تسلية أو "تسالي ومرح"!.. يتجلى الفارق بين الكتابة الساخرة والنكتة من خلال معرفتنا لمعنى الكتابة الساخرة التي لا تكتب بهدف إضحاك الناس، وليست هي أيضاً هدفاً، بقدر ما هي تعبير عن آلام الناس وآمالهم، عن أحداث نابعة من قلب المجتمع الذي نعيش به، وطريقة تعاطينا وتفاعلنا معها، سواء كانت هذه الأحداث سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.. أحداث تتناولها الكتابة الساخرة تحللها، تنقد سلبياتها وتعريها في سبيل إحداث التغيير فيها. وفي ذلك مقولة للكاتب السوري نجم الدين السمان:" إذا كانت السخرية لمجرد إضحاك القارئ، فهناك النكتة الشفوية التي يقوم بها الفعل الإنساني على أكمل وجه، فالسخرية الشفوية وليدة حاجة البشر إليها، وليدة ساعتها، وقد تنقضي بعد انقضاء ضحكاتها، أما الكتابة الساخرة فهي موقف من العالم، التقاط لأبرز مفارقاته، هجاء لنقائضه، يدمي الروح في اللحظة ذاتها التي يضحك فيها". وإذا عدنا إلى ما استنتجه الباحثون خلال استعراضهم لأطوار الظاهرة وتدرجها مع الحضارة البشرية، وجدنا أنهم يرون أن السخرية والضحك كانت لدى البدائيين ساذجة لا تكاد تتعدى المظهر والشكل، فالبدائي يسخر ويضحك من مجرد العيوب الجسمية والعاهات الموروثة، ولا يكاد يتعدى ذلك، وهو وضع طبيعي بحكم تفكير البدائي وانحصار مداركه في الشكل الظاهري، دون مقدرة على التعمق في المعاني والمدركات العقلية أو الأوضاع الاجتماعية، أما في أطوار الحضارة التي تدرجت فيها البشرية بعد مرحلة البداوة، فإن الإنسان أصبح يستطيع أن يجعل لسخريته وضحكه هدفاً مقصوداً أعمق وأسمى من سذاجة البدائي، يقول الباحثون "ضحك البدائيين هو في صميمه أشبه ما يكون بضحك الأطفال.. ساذج تغلب عليه نزعة الهزل وروح المعاكسة.. " ويقولون في توضيح ذلك ومقارنته بطور الحضارة "الإنسان البدائي يضحك في العادة من عيوب الآخرين الجسمية، ونقائصهم الخلقية، وعاهاتهم الموروثة، بينما نجد في المجتمعات الراقية أن من شأن التربية الأخلاقية.. أن تعمل على نهي الفرد عن الضحك لمثل هذه العيوب". هذا يعني أن من يتبع في كتابته الساخرة مثل هذا الأسلوب يعود إلى عصر الإنسان البدائي.. وهو يعيش في عصر تدفق المعلومات فهل يعقل هذا؟!!!! إن الأسلوب الساخر هو كلام جاد للغاية لكن يرتدي ثوب الفكاهة، له لسعة كلسعة الدبور .. وألتقط إبرته إن استطعت!!  

——————————————————————————–

      أ. خالد عبد اللطيف  كاتب وصحفي    

ضحك حتى البكاء.. وبكاء حتى الضحك.. هل تكفي هذه العبارة لوصف الكتابة الساخرة؟ 
  
الجـواب : 
لا تكفي .. ولكنها على الأقل توضح اللبس المتعلق بالكتابة الساخرة كونها تكتب للإضحاك فقط، إذ طالما نُظر إليها على أنها نكتة أو طرفة تجعلك تموت على نفسك من الضحك، وهي في حقيقتها وجوهرها غير ذلك تماماً، فلعل مثل هذه العبارة تبين كم تحمل الكتابة الساخرة من تعبير عن آلام الناس وآمالهم. يقرر علماء النفس أن الدافع الأساسي للسخرية إنما هو محاولة تخفيف الألم الذي يتعرض له الناس في حياتهم من باب التعويض النفسي ويقول فولتير الفيلسوف الفرنسي الساخر في ذلك" لو لم تبق لنا ضحكاتنا لشنق الناس أنفسهم، فويل للفلاسفة الذين لا يبسطون بالضحك تجاعيدهم لأن العبوس في نظري داء عضال".  
——————————————————————————–

      عبد الصمد الحربي      
 ذكرتم من خلال المقدمة للحوار الأسلوب الساخر في الخطاب الإسلامي فهل استخدم فعلاً هذا الأسلوب؟ 
  
الجـواب : 
نعم بل يعد الخطاب الإسلامي في هذا المجال مدرسة يحتاجها أي كاتب ساخر والخطاب الإسلامي ممثلاً بالقرآن الكريم بإعجازه اللغوي قدم صوراً من الكتابة الساخرة من المفيد الوقوف عندها. حيث كان المسلمون أو العرب أثناء نشر الإسلام والدعوة في حرب فكرية جنباً إلى جنب مع حمل السلاح، فكان الأسلوب الساخر من الأساليب المهمة المتبعة في هذه الحرب إذ إنها وكما يراها علماء النفس " من الأسلحة الفعّالة في مقاومة العادات والتقاليد وفي تحقيق التغير الاجتماعي". وحول ذلك يقول الدكتور عبد الحليم حفني : "عني القرآن الكريم بالأسلوب الساخر واستخدامه في مخاطبة أعداء الإسلام والقرآن الكريم لم يختر أسلوب السخرية في أعدائه ليكون مجرد تهكم أو تحقير بهم، إنما اختاره لأهداف أبعد وأغراض أعمق تبدو فيها الدراسة العلمية والتخطيط المنسق الذي يبيّن أن القرآن الكريم كان أسبق من علم النفس وباحثيه إدراكاً للسخرية ومعناها العلمي واستفادة من عمقها الاجتماعي، كما أن القرآن بحكم كونه الناطق بلسان المسلمين والمعلم لهم قد نقل أتباعه بما يشبه الطفرة من السخرية البدائية القريبة من البداوة التي يحصرها علماء النفس في التهكم من العيوب الجسمية والنقائص الشكلية والمادية إلى السخرية الحضارية المتطورة التي تخفي وراء مظهرها البسيط أغراضاً هادفة إلى نواح معينة تنحصر في الإصلاح ومحاربة الرذيلة والتفاهة والدعوة إلى المُثُل العليا والمبادئ القويمة والسلوك الصحيح، وبهذا أيضاً يكون القرآن قد سما من اتخاذ السخرية مجرد سلاح للتحطيم والهدم كما كانوا يألفون الهجاء". والأسلوب الساخر الذي يعاني إلى الآن من مطبات يقع فيها كتّابه وقراؤه من حيث فهمهم له كون الكتابة الساخرة تقف عند إضفاء المرح والتنكيت وما إلى ذلك من المفاهيم التي تحرف الأسلوب الساخر عن منهجه العملي الصحيح والناظر والمتفحص لطابع السخرية في القرآن الكريم يجد أنه يختلف كثيراً عن ما ذكرناه سابقاً وما سنذكره لاحقاً، بل إن القارئ للآيات القرآنية التي كتبت بالأسلوب الساخر يجد فيها مدرسة لهذا الأسلوب، بنهجه الصحيح وأسسه العلمية والتي من المفترض أن يتخرج منها كتّاب الأدب والصحافة الساخرة. ومن صور السخرية في القرآن الكريم والتي بينها الدكتور عبد الحليم حفني: قوله تعالى: }وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ{ (لقمان: من الآية18). وهذا اللفظ يرسم صورة شخص متكبر متعجرف متعال على الناس، تائه في غروره وتعاليه، يحاول أن يفرض هذا التعالي على الناس في كل شيء، وبكل ما يملك من وسائل حتى مشيته، لا يكون معتدلاً فيها كما يمشي الناس معرضاً عنهم بخده مزدرياً بهم متعالياً شامخاً بأفقه مع إعراضه بجانب وجه، هذه الصورة ترسم في الخيال ما يوحيه تصعير الخد، ولكن لفظ تصعر يجعل الخيال يقرن هذه الصورة بصورة جمل مريض أصابه داء الصعر وهو مرض خاص بالإبل يصيب الواحد منها فيلوي عنقه، فيمشي معوق العنق رافع الرأس، متجهاً بوجهه وأنفه إلى أعلى، فهاتان الصورتان صورة المتكبر المتعالي في مشيته هذه وصورة الجمل المريض في تصعره هذا واقترانهما في النفس وتصور الخيال لهما مع الموازنة بينهما، كل ذلك مما يوحيه لفظ "تصعر"هذه الصورة الساخرة فيها من الإيجاز والسخرية بحيث أن كلمة واحدة نقلت لنا صورة كاملة احتاجت لشرحها وتوضيحها جمل. ومن المفارقات الساخرة التي ذكرها القرآن قوله تعالى عن الكافرين وعذابهم في جهنم: }هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ{ والنزل في لغة العرب وعرفهم ما يعد من إكرام الضيف، ولفظ نزلهم ينقل المعنى كله من واد إلى واد آخر ويجعل النفس تشغل بصورتين بينهما تناقض وتقابل. وفي وحي الألفاظ في سخرية القرآن الكريم وما يوحيه لفظ (مهاد) من مفارقة ساخرة مضحكة من التناقض الشاسع بين واقع الكافرين في جهنم، وما يفيده ظاهر لفظ المهاد في قول الله تعالى: }لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ{. فلفظ المهاد تستعمله العرب للفراش اللين الموطأ، و"هذا الاستعمال هو المراد من سخرية القرآن ليكون التقابل البعيد بين مدلوله وواقع الكافرين في جهنم مثيراً للسخرية منهم، حيث يتوارد على نفس السامع صورتان شديدتا التباعد والتنافر، إحداهما فراش لين وثير يبعث في النفس الراحة والاستقرار والشعور بالسعادة والأخرى نار شديدة التلظي والتوهج وتملأ النفس ألماً وشعوراً بالشقاء، ثم ينسب الصورة الأولى إلى الكافرين في حين أنهم في الحقيقة في صلب الثانية. وكذلك نلاحظ في السيرة النبوية ما يمكن أن نجعله مبدءاً في الكتابة الساخرة، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا، قال: (نعم. غير أني لا أقول إلا حقاً). وعن أنس بن مالك أن رجلاً استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: سأله دابة ليركبها- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني حاملك على ولد ناقة, فقال: يا رسول الله! ما أصنع بولد الناقة, فقال صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق) أي: أن الناقة مهما كبرت فهي بنت ناقة, قد ولدتها أمها من قبل.  
——————————————————————————–

      نضال سليم  مدير تحرير مجلة شباب 

هناك أسلوب ساخر في القرآن الكريم، لكن هناك بالمقابل تحذيرا من السخرية والاستهزاء بالناس (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم) الآية، فكيف يوازن الكاتب الساخر ذو المنهج الإسلامي –برأيك- بين مقتضيات الكتابة اللاذعة وعدم الوقوع في محظور السخرية؟ 
 
الجـواب : 
أشكر سؤالك وهو لفتة هامة وذكية، وأحب أن أنوه إلى أنه كما لأي علم من شرائع وأخلاقيات يفترض الالتزام بها، كذلك نجد في هذه الآية قوانين وأخلاقيات تضبط الكتابة الساخرة وكاتبها. يقول الله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{ في هذه الآية الكريمة قواعد مهمة يجب أن يضعها أي كاتب ساخر نصب عينيه فهناك من يستخدم الأسلوب الساخر لنيل من شخص معين، أو شعب معين، أو غيرها.. وهناك نماذج كثيرة.. ففي سوريا مثلاً تكثر النكات عن أهل حمص مثلاً، وفي مصر تكثر عن الصعايدة، وفي السعودية تكثر عن الحوطيين وغيرها. كذلك توجد كتابات كثيرة في بعض الصحف والمجلات، تعرض وجهات نظر بصورة سلبية، أو تشوّه في التاريخ وفي الشخصيات وفي الثقافات.. والقرآن الكريم حين استخدم أسلوب الكتابة الساخرة سما بها عن ما كانت عليه في العصر الجاهلي، من إسفاف واستخدام ألفاظ نابية، أو إظهار المثالب والعورات والنقائص. ولم يستخدمها ليسخر من شخص لشخصه أو لنسبه أو لعلة جسدية فيه وإنما كانت السخرية من أفعال وتصرفات شاذة ومعتقدات وعادات خاطئة وأقوال باطلة.

——————————————————————————–

      رانيا نبيل      
 ما هو دور الأدب الساخر في المساهمة في تغيير واقعنا؟  
الجـواب : 
تعتبر السخرية من أقوى الأسلحة في التغيير الاجتماعي بل والسياسي وزعزعة الرواسب الاجتماعية، وربما لذلك نفهم لماذا يحارب الأسلوب الساخر من قبل الحكومات، نعم لها دور كبير في تغيير واقعنا ولكنها تحتاج إلى إعطاءها السلطة وقد تستمد سلطتها من السلطة الرابعة للصحافة فتكون أكثر تأثيراً. ويؤكد علماء النفس على نجاح سلاح السخرية وأثره في نفوس الذين يخرجون على الطريق القويم. وقد استخدم الإسلام سابقاً السخرية للإصلاح الاجتماعي، ولرد الجماعات إلى الهدى وتبيان الحقائق وتقويم المجتمع. كما قامت الصحف الساخرة المتخصصة في الفترة بين 1877- 1938 بإحداث تغيرات في كثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية آنذاك.  

——————————————————————————–

      هبة      

ما السبب وراء ما آلت إليه الكتابة الساخرة من الضعف والتراجع؟ 
 
الجـواب : 
غياب الحريات ومقص الرقيب يعد من أقوى أسباب الضعف الذي لحق بها؛ والذي بدوره يؤدي إلى تقليص مساحة الكتابة الساخرة، فالكاتب الساخر يحتاج مساحة أوسع وسقفا اكبر من الحرية عن غيره من الكتاب الجادين. ومن أسباب تراجعها النظرة الخاطئة للكتابة الساخرة والتي تقتصر فقط على القرَّاء، وإنما على كتّاب اعتقدوا أنهم يتقنون فن الكتابة الساخرة في حين أنهم كانوا بعيدين تمام البعد عنها. نستطيع أن نقول أن أمور عدة اجتمعت أضرت بمفهوم الكتابة الساخرة وتناولها من قبل الكتاّب والقراء في مجتمعنا العربي منها: الاعتقاد بأن دور الكاتب الساخر يقف عند إشاعة المرح وسط جدية المواد المنشورة، ومساهمة من يدعون أنفسهم بالكتاب الساخرين في تشويه المعنى الحقيقي للكتابة الساخرة، حينما يحولون هذه الكتابة إلى نوع من التنكيت الذي لا معنى له. كما أن هذا النوع من الكتابة صعب المراس وليس في متناول أيا كان. وأرى أنه حين يعرف الكاتب والقارئ معاً الجدية والهدف الحقيقي من وراء الكتابة الساخرة، يستطيع كل منهما أن يتعاطى معها بالشكل الصحيح.  
 
 ——————————————————————————–

      أم معاذ المغرب ربة بيت     

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته , يسعدني ان أكون من بين المشاركات في هذا اللقاء سيدة سلام, سؤالي كيف يمكن موازنة الكتابة الساخرة من حيث تسليط الضوء على الحقائق , و بين الهمز و اللمز المنهي عنه شرعا ,   
 
الجـواب : 
وأنا تسعدني مشاركتك في هذا الحوار وسؤالك الهام في القرآن الكريم قاعدة ينبغي لكل كاتب ساخر أن يتخذها ضابطاً في تناوله لأي قضية يتحدث فيها، وهي الآية الكريمة التي ذكرتها قبل قليل في إجابة سابقة. (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فإولئك هم الظالمون). الكتابة الساخرة هي تناول للواقع بتفاصيله وجزئياته الصغيرة التي قد تغيب عن الكثيرين، وهي رصد للسلبيات والعادات الخاطئة، ولا يحق لها أن تمس الثوابت الدينية.  
——————————————————————————–

      مها      

من أين تستمد السخرية قوتها؟  
 
الجـواب : 
إن اتفقنا على أن السخرية سلاح فعّال وقوي، فهذا يعني أن هناك مقومات ومصادر تستمد منها السخرية قوتها، ومن هذه المصادر؛ أنها تمنح الشعور بالتفوق، فهي تعبر عن الشعور بالانتصار، بل هي صورة من صوره. كما أن السخرية لها ارتباط وثيق بالذكاء، إذ يرى علماء النفس ارتباطاً وثيقاً بين ما سموه ظاهرة السخرية بالذكاء معللين أنه كلما ارتفعت نسبة الذكاء كان المجال أرحب لوجود "الحس الساخر" وعلى العكس يكون الحس الساخر ضعيفاً فاتر كلما انخفضت نسبة الذكاء وتستمد السخرية قوتها من التجاوب الاجتماعي الذي تحققه خاصة وأنها تعبر عن آلام الناس وتحاول البحث عن حلول لها، و يرى العلماء أن روح السخرية من شأنها أن تجذب النفوس وتقارب بين العواطف، وهي لا تقف عند هذا الحد بل تعتبر أهم وسيلة للإصلاح الاجتماعي إذ تقوم بوظيفة المصحح الاجتماعي لأنها تعمل على صيانة الاستقرار الفكري والاتحاد العاطفي في المجتمع الواحد ضد شتى عوامل التنافر أو المفارقة، فالسخرية لا تؤدي وظيفة الجزاء الاجتماعي فحسب، وإنما تعمل على تقوية الروح الجماعية والتعاطف الجمعي بين أفراد الجامعة الواحدة، لذا فهي تستخدم كسلاح اجتماعي تحافظ به الجماعة على كيانها ومقوماتها المختلفة. ومن مصادر قوتها أيضاً قدرتها على تغيير العادات من خلال تحقير نوع من العادات أو السلوك، ويعتبر ذلك من أقوى الأسلحة في زلزلة كيانها وإثارة النفور منها، فإن من المعروف لدى علماء الاجتماع أن للعادات والتقاليد سلطاناً لا يطاله سلطان آخر حتى القانون والسلطة التنفيذية، إذ يكون تغيير العادات أقوى منها، إلا سلطان واحد هو سلاح السخرية حيث لاحظوا أنه أقوى أسلحة التغيير الاجتماعي. كذلك فإن الأسلوب الغير مباشر والمفارقات الذي تنتهجها الكتابة الساخرة تعد من أهم مصادر القوة التي تتميز بها عن غيرها من أنواع الكتابة الأدبية والإعلامية.  
 
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



أدب ساخر.. إعلام ساخر.. والضحك ليس هو المطلوب